خطر خفي يهدد أوروبا.. شبكات الكهرباء تحت المجهر

تواجه شبكة الكهرباء الأوروبية مخاطر متزايدة من التخريب والهجمات السيبرانية، بالتزامن مع تصاعد التوتر مع روسيا، وسط مخاوف من أن تؤدي هجمات منسقة إلى انقطاعات واسعة للكهرباء.
وفي فرنسا، تستعد السلطات لتنظيم محاكاة واسعة لأزمة «انقطاع شامل» للكهرباء في عام 2027، بهدف اختبار قدرة المؤسسات على التعامل مع تداعيات توقف الشبكة، بحسب تقرير لصحيفة «لوموند».
محطات الكهرباء تتحول إلى منشآت محصنة
وتبرز محطة المحولات في أليتوس جنوب ليتوانيا نموذجاً للإجراءات التي تتخذها دول أوروبية لحماية بنيتها التحتية الحيوية، إذ تحولت المنشأة إلى ما يشبه الموقع المحصن، مع حواجز خرسانية وأكياس رملية وأسلاك شائكة وإجراءات مشددة للدخول.
وتكتسب المحطة أهمية استراتيجية لكونها حلقة وصل مع خطوط الجهد العالي القادمة من بولندا، ضمن مساعي ليتوانيا للابتعاد عن منظومة الكهرباء المرتبطة بروسيا.
وكانت ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا قد انفصلت عن الشبكة الروسية في فبراير 2025، قبل الارتباط بشبكة الكهرباء الأوروبية. وبلغت تكلفة مشروع الربط نحو 1.65 مليار يورو، مع مساهمة كبيرة من المفوضية الأوروبية، وفق التقرير.
لكن ليتوانيا لم تخفف إجراءات الحماية بعد إتمام عملية الربط، بل عززت أمن الشبكة عبر حواجز إضافية وأنظمة مضادة للطائرات المسيّرة، إلى جانب تخزين معدات ومكونات استراتيجية تحسباً لأي طارئ.
كما خصصت البلاد 150 مليون يورو على مدى خمس سنوات لتعزيز «مرونة» شبكة الكهرباء.
بطاريات لتفادي الانقطاع
وتعتمد ليتوانيا أيضاً على أربعة مواقع لتخزين الطاقة بقدرة إجمالية تبلغ 200 ميغاواط، يمكنها الاستجابة خلال أجزاء من الثانية عند حدوث خلل في الشبكة، وتوفير إمدادات احتياطية لمدة تصل إلى ساعة، إلى حين تشغيل محطات الاحتياط.
وتسمح هذه المنظومة للشبكة بالعمل بصورة منفصلة مؤقتاً عن الأنظمة المحيطة في حال وقوع اضطراب واسع، وفق مسؤولين في قطاع الطاقة الليتواني.
ويرى مسؤولون أوروبيون أن حماية البنية التحتية للطاقة لم تعد قضية محلية، في ظل إمكانية امتداد آثار أي هجوم ناجح إلى دول أخرى مرتبطة بالشبكة نفسها.
الطاقة في قلب الصراع
وتأتي هذه المخاوف في وقت أصبحت فيه منشآت الطاقة جزءاً رئيسياً من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، إذ تعرضت مصافي النفط الروسية لهجمات بطائرات مسيّرة أوكرانية، بينما تعرضت شبكة الكهرباء والمنشآت الكهربائية في أوكرانيا لضربات روسية متكررة.
وبحسب أرقام أوردها مشغل شبكة الكهرباء الأوكراني، فقدت البلاد نحو نصف قدرتها على توليد الكهرباء مقارنة بمستوياتها في بداية الحرب في فبراير 2022.
وأعاد ذلك إلى الواجهة مسألة «مرونة الطاقة»، التي لم تعد تقتصر على ضمان استمرار الإمدادات، بل تشمل قدرة الشبكة على استعادة عملها بسرعة بعد تعرضها لهجوم أو عطل واسع.
انقطاعات تكشف حجم التداعيات
ولا ترتبط المخاوف الأوروبية بالهجمات السيبرانية وحدها. ففي أبريل 2025، تسبب انقطاع واسع للكهرباء في شبه الجزيرة الإيبيرية في تعطيل قطاعات حيوية لساعات طويلة، وتأثرت خدمات الاتصالات ووسائل الدفع وحركة القطارات والمصاعد، كما ألغيت رحلات جوية وتوقفت بعض خطوط الإنتاج ومحطات ضخ المياه ومنشآت التخزين المبرد.
وفي ديسمبر 2024، أدى حادث يتعلق بسفينة تحمل النفط الروسي إلى قطع كابل كهرباء يربط فنلندا بإستونيا.
أما بولندا، فتجنبت في ديسمبر 2025 انقطاعاً واسعاً بعد إحباط هجوم سيبراني استهدف في وقت واحد عدداً من منشآت طاقة الرياح والطاقة الشمسية، إضافة إلى محطة للتوليد المشترك للكهرباء والحرارة.
وبعد تحقيق استمر عدة أشهر، قالت وارسو وعواصم حليفة، بينها باريس، إن الهجوم نُسب إلى قراصنة مرتبطين بالاستخبارات الروسية، في اتهام لم تقدمه موسكو بوصفه حقيقة مؤكدة.
فرنسا تحاكي «انقطاعاً شاملاً»
وتدفع هذه التطورات فرنسا إلى الاستعداد لسيناريو انقطاع واسع للكهرباء، إذ من المقرر تنظيم تمرين لإدارة الأزمات في عام 2027 يحمل اسم «انقطاع شامل».
ويهدف التمرين إلى تحديد التهديدات ونقاط الضعف في شبكة الكهرباء، واختبار قدرة الوزارات والسلطات المحلية والمحافظات على التعامل مع تداعيات توقف الإمدادات، بما في ذلك الحفاظ على التواصل مع السكان في حال تأثرت شبكات الاتصالات أيضاً.
وسبق أن حذرت هيئة الأمن السيبراني الفرنسية من هجمات استهدفت مواقع صغيرة لإنتاج الطاقة، بما في ذلك منشآت للطاقة الكهرومائية والشمسية وطاقة الرياح.
ورغم ذلك، لا تزال آثار هذه الهجمات محدودة نسبياً، إذ تسبب الهجوم الأكثر نجاحاً، وفق الهيئة، في توقف مزرعة رياح لبضع ساعات.
الطاقة المتجددة تفتح باباً جديداً للمخاطر
ومع توسع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، تظهر تحديات جديدة مرتبطة بالمكونات الرقمية التي تتحكم في هذه الأنظمة.
ومن أبرزها العواكس المستخدمة لتحويل التيار المستمر الناتج عن الألواح الشمسية وعنفات الرياح إلى تيار متردد. وتثير هذه الأجهزة مخاوف أمنية لأنها متصلة بالإنترنت ويمكن التحكم فيها عن بُعد.
وتزداد حساسية المسألة مع اعتماد السوق الأوروبية بدرجة كبيرة على شركات صينية في توفير هذه المكونات، ما دفع المفوضية الأوروبية إلى بحث إمكانية استبعاد مشروعات تستخدم معدات من دول تصنفها ضمن مصادر «عالية المخاطر» من بعض أشكال التمويل الأوروبي.
وتشمل قائمة الدول التي يجري بحثها الصين وإيران وروسيا.
هل يمكن إسقاط شبكة أوروبا؟
ورغم ارتفاع مستوى التحذيرات، لا يعني ذلك أن انهيار شبكة الكهرباء الأوروبية بالكامل بات سيناريو مرجحاً.
فالشبكة الأوروبية مترابطة ومستقرة بدرجة كبيرة، ما يجعل تنفيذ هجوم واسع قادر على إسقاطها بالكامل أمراً بالغ الصعوبة، وفق خبراء في قطاع الطاقة.
لكن المخاطر لا تختفي، خصوصاً في حال تزامنت هجمات مادية وسيبرانية مع ظروف مناخية قاسية أو أعطال متعددة في الوقت نفسه.
وبالتالي، لا يتمثل التحدي الأوروبي في منع كل محاولة تخريب، وهو أمر يصعب تحقيقه، بقدر ما يتعلق بحماية النقاط الأكثر حساسية في الشبكة، وتعزيز قدرتها على احتواء أي هجوم ومنع تحوله إلى أزمة واسعة تمتد آثارها إلى ملايين السكان.




